dr arwa
30/08/2008, 10h44
مفطرات الصائم في ضوء المستجدات الطبية
الدكتور محمد جبر الألفي
ما يدخل البدن عن طريق المنافذ
الفم-الأنف-العين-الأذن-الإحليل-الدبر-القبل
أولاً: الفم
اتفق الفقهاء على أن ما يدخل الفم ويكون في حد الظاهر منه، لا يفطر الصائم، لما ثبت من النصوص والآثار الدالة على ذلك، والتي تجيز المضمضة وذوق الطعام، ونحوهما، وقد ضبط الفقهاء حد الظاهر من الفم بمخرج الحاء، وهو ما يطلق عليه "الحلقوم"، وبناءً على هذا التحديد: نبين حكم بخاخ الربو، ومضغ العلك، والتدخين.
1- بخّاخ الربو:
تباينت الفتاوى بشأن البخاخ الذي يتعاطاه بعض المرضى عن طريق الفم، فذهب البعض إلى أنه لا يفسد الصوم، وذهب آخرون إلى أنه يفسد الصوم.
الرأي الأول: البخاخ لا يفسد الصوم: استظهرت اللجنة الدائمة عجم الفطر باستعمال هذا الدواء، لأنه ليس في حكم الأكل والشرب، بوجه من الوجوه، وهو ما جاء في فتوى للشيخ ابن عثيمين؛ لأنه شيء يتطاير ويتبخر ويزول ولا يصل منه جزء إلى المعدة، ويستند بعض أصحاب هذه الفتوى إلى أن الرذاذ الذي تنفثه بخاخة الربو حدوده الرئتان ومهمته توسيع شرايينها التي تضيق بسبب الربو، وهذا الرذاذ لا يصل إلى المعدة، ولا يشكل غذاء ولا شراباً للمريض.
اتفق الفقهاء على أن ما يدخل الفم ويكون في حد الظاهر منه، لا يفطر الصائم، لما ثبت من النصوص والآثار الدالة على ذلك، والتي تجيز المضمضة وذوق الطعام، ونحوهما]الرأي الثاني: البخاخ مما يفطر به الصائم: استظهر أصحاب هذا الرأي أن ما يعرف بالنشاق يكون فيه دواء سائل مضغوط في زجاجة، ويستنشقه الصائم من طريق فمه، يفطر الصائم، لأنه دواء دخل من طريق الفم، وقيد بعضهم ذلك بما إذا وصل الدواء المستعمل بالبخاخة إلى الجوف، وإلا فالصوم صحيح.
الرأي الراجح: يحتوي بخاخ الربو على مستحضرات طبية + ماء + أوكسجين، وقد أكد لي عدد من الأطباء والصيادلة أن هذا المحتوى يدخل إلى المعدة بيقين، فالرأي: أن استعماله يفسد الصوم، والله أعلم.
2- العلك:
تكلم الفقهاء في هذه المسألة عندما كان العلك مادة طبيعية لم تدخلها الصنعة، وقالوا: إن تفرَّق وتفتت بالمضغ فوصل منه شيء إلى الجوف، بطل الصوم، وإن كان قوياً كالمطاط الرخو فإنه يكره ولا يبطل الصوم، وعلى الكراهة حمل قول أم حبيبة - رضي الله عنها -: "لا يمضغ العلكَ الصائمُ" وقول عطاء: "ولا يمضغ العلك، فإن ازدرد ريق العلك لا أقول: إنه يفطر، ولكن ينهى عنه".
ومعظم العلك الموجود في هذه الأيام من النوع الصناعي، فهو يحتوي على مواد سكرية وطعم الفواكه أو النباتات، وصبغات طبيعية أو مصنعة كيميائياً، وكل هذا يتحلل داخل الفم عندما يختلط باللعاب الذي يتكون من أكثر من 99% من الماء + أملاح غير عضوية + مواد عضوية ويصل مع اللعاب إلى الجوف.
فيا حبذا لو أدرك المفتون هذه الحقيقة، وشددوا في النهي عن العلك للصائم، سداً للذريعة، وخاصة إذا لاحظنا أن التجارب الطبية أثبتت أن مضغ العلك يمكن أن ينهي إفراز المعدة، وبذلك يعرقل عملية الهضم، وخصوصاً بالنسبة إلى البروتينات، كما أن العلك ينهك الغدد اللعابية، ويستنفد بعض طاقات الصائم، ولذلك ينصح الأطباء الصائم بالابتعاد عن استعمال العلك.
3- التدخين
يشفق بعض من يتصدون للفتيا على مدمني الدخان والتبغ والمخدرات، ويظنون أن الرفق بهؤلاء وتصحيح صيامهم قد يؤدي بهم إلى الإقلاع عن هذه العادات، لما عرف طبياً من أن الصوم بالنسبة إلى المدمنين على التبغ هو أفضل علاج، فهو يسهل لهم الانقطاع عن هذه العادة، وفي أغلب الحالات يورثهم كرهاً لطعم التبغ.
ولا يجد بعض من يتصدون للفتيا دليلاً على أن الدخان بأنواعه يفسد الصوم، بناء على أصلهم في أن ما ليس له جرم، ويدخل مع مخرج النفس لا مخرج الطعام والشراب ليس من المفطرات.
أما الذين دونت فتاواهم فإنهم متفقون على أن التدخين ونحوه مفسد للصوم، وقد وجه بعضهم فتواه توجيهاً عاطفياً، حين نصح المدخن بالإقلاع عن التدخين ليحفظ صحته وأسنانه وماله وأولاده ونشاطه مع أهله، وحين ذكر أن الدخان نوع من الشراب بلا شك، ولكنه شراب ضار محرم بدليل قولهم: فلان يشرب الدخان، وشرب كل شيء بحسبه، واستند بعضهم إلى ما نص عليه الحنفية من أن الدخان عامة إذا دخل حلق الصائم بدون صنع منه لا يفسد صومه؛ لعدم إمكان التحرز عنه، وأما إذا أدخله حلقه بصنعه وإرادته أياً كان الدخان وبأي صورة كان إدخاله، وهو متذكر صومه؛ فإن صومه يفسد شرعاً، لإمكان التحرز عنه، وهو مما يميل إليه الطبع، وتنقضي به شهوة البطن.
والواقع أن الدخان بجميع أنواعه (لفائف التبغ "سجائر وسيجار" وما يحرق في الأنبوب Pipe، وما يوضع في النار جيل) من المواد العضوية التي تحتوي على القطران والنيكوتين، ولها جرم يظهر في "الفلتر" وعلى الرئتين، وتصبغ الطبقة المخاطية التي تغطي جدار البلعوم بلون داكن، هذا من جهة، ومن جهة أخرى: فإن التدخين يلبي شهوة المدخن (الكيف والمزاج) فيؤثر على أعصابه تأثيراً لا يقل عن تأثير الخمور والمخدرات، ولهذا نجد المدخن يصبر عن الطعام والشراب، ولكنه لا يصبر عن الدخان، فتناول الدخان إذن ينتفي مع معنى الصوم الذي ذكره الحديث القدسي: "يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي".
من أجل ذلك: نرى ضرورة تقيد المفتين شفهياً وتحريرياً باعتبار التدخين في كل صوره من مفسدات الصوم دون أي تردد أو أدنى خشية، والله أعلم.[/RIGHT]
ثانياً: الأنف:
يختلف الفقهاء في اعتبار ما يدخل من الأنف مفسداً للصوم، نتيجة اختلافهم في قبول حديث لقيط بن صبرة، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: "وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً"، واختلافهم في مدى دلالته، وفي جواز القياس عليه.
وبناء على ذلك: أفتى البعض بأن ما يدخل من الأنف إلى بدن الصائم يفسد صومه، يستوي في ذلك أن يكون بخاخ زكام، أو سعوط أو مسحوق عطر، أو ماء الاستنشاق المبالغ فيه.
وأفتى بعض آخر بأن كل ما يدخل من الأنف إلى بدن الصائم لا يفسد صيامه مطلقاً.
وهناك من ميز في فتواه بين ما كان له جرم كالماء والسعوط والعطر المسحوق فعده من المفطرات إذا وصل إلى الحلق، وما ليس له جرم كالبخاخ ونحوه فلا يفسد الصوم.
والذي ينبغي الالتفات إليه في هذا الشأن:
1- أن الأنف منفذ يشترك مع الفم في الاتصال بالحلق وأن جهاز الشم به يستقبل المواد الطيارة، فيذيبها في طبقة المخاط، ثم ينقلها عن طريق العصب الشمي إلى مركز الشم بالمخ، ولعل هذا هو الذي جعل السلف يقول إن ما يؤخذ عن طريق الأنف يصل إلى الدماغ.
2- قد يستعمل الأنف طريقاً للتغذية في بعض الأحيان، فيكون هو والفم سواء في الحكم.
3- أثبتت التحاليل الطبية أن بعض المواد العالقة في الهواء تدخل من الأنف، ويكون لها تأثير كبير على الدورة الدموية، ولهذا يطالب المدافعون عن حماية البيئة باستعمال الغاز الطبيعي أو البنزين الخالي من الرصاص في تشغيل الآلات والمركبات، ومنعت بعض الدول التدخين في الأماكن العامة حماية لغير المدخنين من تأثير الدخان على صحتهم.
وبناء على ذلك نقول وبالله التوفيق:
1- إذا استعمل الأنف طريقاً للتغذية في بعض الحالات فما يصل منه إلى الحلق يفسد الصيام.
2- إذا تعمد الصائم التقطير في الأنف، أو استنشاق بخاخ الزكام أو الاستعاط، أو شم ما يُشبع رغبة الكيف أو المزاج (كالسموم البيضاء، أو الغِراء، أو القطنة المبللة بالبنزين)، أو تعمد البقاء في أماكن التدخين، وما أشبه ذلك: بطل صومه.
3- إذا احتاج الصائم لاستعمال قناع الأوكسجين لضيق في تنفسه، أو لوجوده تحت الماء، أو لانخفاض الضغط الجوي في الطائرة، أو نحو ذلك: فلا يبطل صومه، كما لو تنفس الهواء الطبيعي. والله أعلم.
ثالثا العين
يبدو أن الفتاوى الحديثة في مسألة الكحل والدهن والقطرة في العين قد تابعت الخلاف الذي جرى بين الفقهاء، وهذا الخلاف بني على أصلين؛ أولهما: مدى صحة وحجية أحاديث الاكتحال، والثاني: مدى اعتبار العين منفذاً إلى الجوف.
فقد رأينا أن غالبية الفتاوى في هذا الشأن لا تبطل صيام المكتحل، لمجموع الأحاديث التي يقوي بعضها بعضاً، ولأن العين ليست بمنفذ إلى الجوف، وعدى هذا الحكم إلى كل ما يوضع في العين من دواء وقطرة ومراهم ونحوها.
ومع ذلك أفتى البعض بفساد صوم المكتحل وقاس على الكحل كل ما يوضع في العين من قطرة ودهون، إذا وصل إلى الحلق.
ونلاحظ في هذا المقام أن الدموع التي تفرزها الغدة الدمعية لتنظف وترطب قرنية العين تصب في تجويف الأنف عن طريق القناة الدمعية، لذا عندما يبكي الإنسان طويلاً يتمخط كثيراً.
فالرأي عندي أن الصائم إذا اكتحل أو وضع في عينه الدهن أو الدواء أو قطر فيها، وأحس بأثر ذلك في أنفه فتمخط، فإن صيامه يكون صحيحاً، أما إذا أحس بأثر ذلك وعيَّنه في مخاطه فاقتلعه بنَفَسه وابتلعه، فإن صيامه يفسد، والله أعلم.
[/SIZE][/COLOR]
الدكتور محمد جبر الألفي
ما يدخل البدن عن طريق المنافذ
الفم-الأنف-العين-الأذن-الإحليل-الدبر-القبل
أولاً: الفم
اتفق الفقهاء على أن ما يدخل الفم ويكون في حد الظاهر منه، لا يفطر الصائم، لما ثبت من النصوص والآثار الدالة على ذلك، والتي تجيز المضمضة وذوق الطعام، ونحوهما، وقد ضبط الفقهاء حد الظاهر من الفم بمخرج الحاء، وهو ما يطلق عليه "الحلقوم"، وبناءً على هذا التحديد: نبين حكم بخاخ الربو، ومضغ العلك، والتدخين.
1- بخّاخ الربو:
تباينت الفتاوى بشأن البخاخ الذي يتعاطاه بعض المرضى عن طريق الفم، فذهب البعض إلى أنه لا يفسد الصوم، وذهب آخرون إلى أنه يفسد الصوم.
الرأي الأول: البخاخ لا يفسد الصوم: استظهرت اللجنة الدائمة عجم الفطر باستعمال هذا الدواء، لأنه ليس في حكم الأكل والشرب، بوجه من الوجوه، وهو ما جاء في فتوى للشيخ ابن عثيمين؛ لأنه شيء يتطاير ويتبخر ويزول ولا يصل منه جزء إلى المعدة، ويستند بعض أصحاب هذه الفتوى إلى أن الرذاذ الذي تنفثه بخاخة الربو حدوده الرئتان ومهمته توسيع شرايينها التي تضيق بسبب الربو، وهذا الرذاذ لا يصل إلى المعدة، ولا يشكل غذاء ولا شراباً للمريض.
اتفق الفقهاء على أن ما يدخل الفم ويكون في حد الظاهر منه، لا يفطر الصائم، لما ثبت من النصوص والآثار الدالة على ذلك، والتي تجيز المضمضة وذوق الطعام، ونحوهما]الرأي الثاني: البخاخ مما يفطر به الصائم: استظهر أصحاب هذا الرأي أن ما يعرف بالنشاق يكون فيه دواء سائل مضغوط في زجاجة، ويستنشقه الصائم من طريق فمه، يفطر الصائم، لأنه دواء دخل من طريق الفم، وقيد بعضهم ذلك بما إذا وصل الدواء المستعمل بالبخاخة إلى الجوف، وإلا فالصوم صحيح.
الرأي الراجح: يحتوي بخاخ الربو على مستحضرات طبية + ماء + أوكسجين، وقد أكد لي عدد من الأطباء والصيادلة أن هذا المحتوى يدخل إلى المعدة بيقين، فالرأي: أن استعماله يفسد الصوم، والله أعلم.
2- العلك:
تكلم الفقهاء في هذه المسألة عندما كان العلك مادة طبيعية لم تدخلها الصنعة، وقالوا: إن تفرَّق وتفتت بالمضغ فوصل منه شيء إلى الجوف، بطل الصوم، وإن كان قوياً كالمطاط الرخو فإنه يكره ولا يبطل الصوم، وعلى الكراهة حمل قول أم حبيبة - رضي الله عنها -: "لا يمضغ العلكَ الصائمُ" وقول عطاء: "ولا يمضغ العلك، فإن ازدرد ريق العلك لا أقول: إنه يفطر، ولكن ينهى عنه".
ومعظم العلك الموجود في هذه الأيام من النوع الصناعي، فهو يحتوي على مواد سكرية وطعم الفواكه أو النباتات، وصبغات طبيعية أو مصنعة كيميائياً، وكل هذا يتحلل داخل الفم عندما يختلط باللعاب الذي يتكون من أكثر من 99% من الماء + أملاح غير عضوية + مواد عضوية ويصل مع اللعاب إلى الجوف.
فيا حبذا لو أدرك المفتون هذه الحقيقة، وشددوا في النهي عن العلك للصائم، سداً للذريعة، وخاصة إذا لاحظنا أن التجارب الطبية أثبتت أن مضغ العلك يمكن أن ينهي إفراز المعدة، وبذلك يعرقل عملية الهضم، وخصوصاً بالنسبة إلى البروتينات، كما أن العلك ينهك الغدد اللعابية، ويستنفد بعض طاقات الصائم، ولذلك ينصح الأطباء الصائم بالابتعاد عن استعمال العلك.
3- التدخين
يشفق بعض من يتصدون للفتيا على مدمني الدخان والتبغ والمخدرات، ويظنون أن الرفق بهؤلاء وتصحيح صيامهم قد يؤدي بهم إلى الإقلاع عن هذه العادات، لما عرف طبياً من أن الصوم بالنسبة إلى المدمنين على التبغ هو أفضل علاج، فهو يسهل لهم الانقطاع عن هذه العادة، وفي أغلب الحالات يورثهم كرهاً لطعم التبغ.
ولا يجد بعض من يتصدون للفتيا دليلاً على أن الدخان بأنواعه يفسد الصوم، بناء على أصلهم في أن ما ليس له جرم، ويدخل مع مخرج النفس لا مخرج الطعام والشراب ليس من المفطرات.
أما الذين دونت فتاواهم فإنهم متفقون على أن التدخين ونحوه مفسد للصوم، وقد وجه بعضهم فتواه توجيهاً عاطفياً، حين نصح المدخن بالإقلاع عن التدخين ليحفظ صحته وأسنانه وماله وأولاده ونشاطه مع أهله، وحين ذكر أن الدخان نوع من الشراب بلا شك، ولكنه شراب ضار محرم بدليل قولهم: فلان يشرب الدخان، وشرب كل شيء بحسبه، واستند بعضهم إلى ما نص عليه الحنفية من أن الدخان عامة إذا دخل حلق الصائم بدون صنع منه لا يفسد صومه؛ لعدم إمكان التحرز عنه، وأما إذا أدخله حلقه بصنعه وإرادته أياً كان الدخان وبأي صورة كان إدخاله، وهو متذكر صومه؛ فإن صومه يفسد شرعاً، لإمكان التحرز عنه، وهو مما يميل إليه الطبع، وتنقضي به شهوة البطن.
والواقع أن الدخان بجميع أنواعه (لفائف التبغ "سجائر وسيجار" وما يحرق في الأنبوب Pipe، وما يوضع في النار جيل) من المواد العضوية التي تحتوي على القطران والنيكوتين، ولها جرم يظهر في "الفلتر" وعلى الرئتين، وتصبغ الطبقة المخاطية التي تغطي جدار البلعوم بلون داكن، هذا من جهة، ومن جهة أخرى: فإن التدخين يلبي شهوة المدخن (الكيف والمزاج) فيؤثر على أعصابه تأثيراً لا يقل عن تأثير الخمور والمخدرات، ولهذا نجد المدخن يصبر عن الطعام والشراب، ولكنه لا يصبر عن الدخان، فتناول الدخان إذن ينتفي مع معنى الصوم الذي ذكره الحديث القدسي: "يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي".
من أجل ذلك: نرى ضرورة تقيد المفتين شفهياً وتحريرياً باعتبار التدخين في كل صوره من مفسدات الصوم دون أي تردد أو أدنى خشية، والله أعلم.[/RIGHT]
ثانياً: الأنف:
يختلف الفقهاء في اعتبار ما يدخل من الأنف مفسداً للصوم، نتيجة اختلافهم في قبول حديث لقيط بن صبرة، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: "وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً"، واختلافهم في مدى دلالته، وفي جواز القياس عليه.
وبناء على ذلك: أفتى البعض بأن ما يدخل من الأنف إلى بدن الصائم يفسد صومه، يستوي في ذلك أن يكون بخاخ زكام، أو سعوط أو مسحوق عطر، أو ماء الاستنشاق المبالغ فيه.
وأفتى بعض آخر بأن كل ما يدخل من الأنف إلى بدن الصائم لا يفسد صيامه مطلقاً.
وهناك من ميز في فتواه بين ما كان له جرم كالماء والسعوط والعطر المسحوق فعده من المفطرات إذا وصل إلى الحلق، وما ليس له جرم كالبخاخ ونحوه فلا يفسد الصوم.
والذي ينبغي الالتفات إليه في هذا الشأن:
1- أن الأنف منفذ يشترك مع الفم في الاتصال بالحلق وأن جهاز الشم به يستقبل المواد الطيارة، فيذيبها في طبقة المخاط، ثم ينقلها عن طريق العصب الشمي إلى مركز الشم بالمخ، ولعل هذا هو الذي جعل السلف يقول إن ما يؤخذ عن طريق الأنف يصل إلى الدماغ.
2- قد يستعمل الأنف طريقاً للتغذية في بعض الأحيان، فيكون هو والفم سواء في الحكم.
3- أثبتت التحاليل الطبية أن بعض المواد العالقة في الهواء تدخل من الأنف، ويكون لها تأثير كبير على الدورة الدموية، ولهذا يطالب المدافعون عن حماية البيئة باستعمال الغاز الطبيعي أو البنزين الخالي من الرصاص في تشغيل الآلات والمركبات، ومنعت بعض الدول التدخين في الأماكن العامة حماية لغير المدخنين من تأثير الدخان على صحتهم.
وبناء على ذلك نقول وبالله التوفيق:
1- إذا استعمل الأنف طريقاً للتغذية في بعض الحالات فما يصل منه إلى الحلق يفسد الصيام.
2- إذا تعمد الصائم التقطير في الأنف، أو استنشاق بخاخ الزكام أو الاستعاط، أو شم ما يُشبع رغبة الكيف أو المزاج (كالسموم البيضاء، أو الغِراء، أو القطنة المبللة بالبنزين)، أو تعمد البقاء في أماكن التدخين، وما أشبه ذلك: بطل صومه.
3- إذا احتاج الصائم لاستعمال قناع الأوكسجين لضيق في تنفسه، أو لوجوده تحت الماء، أو لانخفاض الضغط الجوي في الطائرة، أو نحو ذلك: فلا يبطل صومه، كما لو تنفس الهواء الطبيعي. والله أعلم.
ثالثا العين
يبدو أن الفتاوى الحديثة في مسألة الكحل والدهن والقطرة في العين قد تابعت الخلاف الذي جرى بين الفقهاء، وهذا الخلاف بني على أصلين؛ أولهما: مدى صحة وحجية أحاديث الاكتحال، والثاني: مدى اعتبار العين منفذاً إلى الجوف.
فقد رأينا أن غالبية الفتاوى في هذا الشأن لا تبطل صيام المكتحل، لمجموع الأحاديث التي يقوي بعضها بعضاً، ولأن العين ليست بمنفذ إلى الجوف، وعدى هذا الحكم إلى كل ما يوضع في العين من دواء وقطرة ومراهم ونحوها.
ومع ذلك أفتى البعض بفساد صوم المكتحل وقاس على الكحل كل ما يوضع في العين من قطرة ودهون، إذا وصل إلى الحلق.
ونلاحظ في هذا المقام أن الدموع التي تفرزها الغدة الدمعية لتنظف وترطب قرنية العين تصب في تجويف الأنف عن طريق القناة الدمعية، لذا عندما يبكي الإنسان طويلاً يتمخط كثيراً.
فالرأي عندي أن الصائم إذا اكتحل أو وضع في عينه الدهن أو الدواء أو قطر فيها، وأحس بأثر ذلك في أنفه فتمخط، فإن صيامه يكون صحيحاً، أما إذا أحس بأثر ذلك وعيَّنه في مخاطه فاقتلعه بنَفَسه وابتلعه، فإن صيامه يفسد، والله أعلم.
[/SIZE][/COLOR]